خُذ بعض الوقت لقراءة المقال أدناه، لتنمي فهمك لماذا تُحدث الحوكمة الجيدة فارقاً حقيقياً.
كلٌّ منّا مرَّ بتجربة العمل المؤسسي، ويدرك بحدسه وتجربته الشخصية أن الحوكمة الجيدة تُحدث فارقاً حقيقياً. غير أن الأدلة الموضوعية القوية على ذلك يصعب الحصول عليها. فالربط بين مجالس الإدارة والنجاح المؤسسي أمرٌ بالغ التعقيد والذاتية. ثمة افتراضات دقيقة وشروط ضرورية كثيرة تجعلنا سرعان ما نجد أنفسنا غارقين في الاحتمالات والإمكانيات، بدلاً من رؤية علاقة واضحة وجلية بين السبب والنتيجة. والمشكلة أن مجلس الإدارة كيانٌ مؤسسي بالغ الدقة والغموض. فهو في كثير من النواحي يتجاوز التوقعات المؤسسية المعتادة التي نضعها لعناصر هيكلية أخرى، كفريق الإدارة أو الأقسام الوظيفية. فهو السلطة العليا في أي مؤسسة، ومن ثَمَّ لا يرفع تقاريره إلى أحد فوقه. وتجمع معظم مجالس الإدارة بين الأبعاد الرسمية وغير الرسمية، على الصعيدين العلائقي والهيكلي، في مزيج فريد. وهي لا تُشكِّل مجلساً إلا بمعناها الجماعي، إذ لا يوجد فيها هيكل هرمي يُحدِّد لكل شخص إلى من يتوجه في كل أمر. وتجتمع هذه المجالس بصفة غير منتظمة لمعالجة أهم القضايا الاستراتيجية التي تواجه المؤسسة.
في نهاية المطاف، لتقييم فاعلية مجلس الإدارة، لا بدّ من ربط جهوده بالنجاح العام للمؤسسة. غير أن هذا الربط يبدو طويلاً ومتشعباً ومعقداً للغاية، إذ يمرّ عبر المدير التنفيذي، ثم فريق القيادة، ثم مختلف عناصر المؤسسة الأكبر، وصولاً إلى الخطوط الأمامية حيث تلتقي الخدمة بالفئات التي تخدمها. ونتيجةً لذلك، حين يبحث المرء عن «الدراسات والأبحاث» المتعلقة بمجالس الإدارة في القطاعَين الربحي وغير الربحي، فإنه يجد في الغالب أحد نوعَين من البيانات.
- أولاً، المعلومات المتعلقة بتركيبة مجلس الإدارة وهيكله وممارساته.
- ثانياً، معلومات حول مواقف أعضاء مجلس الإدارة، والمهارات المُدرَكة، والعلاقات بين المجلس والإدارة، وما إلى ذلك؛ غير أنه لا يكاد يوجد شيء يتعلق بالأداء الفعلي أو المُدرَك للمجلس، وتأثيره على الأداء العام للمؤسسة.
حين أطلقنا منهج الحوكمة الفعّالة للخدمة عام ٢٠١٢، أردنا أن نقيس — بقدر الإمكان — العلاقة بين الحوكمة والأداء المؤسسي. وبالشراكة مع IFES، جمعنا بيانات استبيانية حول احتياجات الحوكمة وفاعليتها في ١٦٠ دولة من الدول الأعضاء في IFES. وقد طُلب من المديرين الإقليميين في IFES — الذين يمتلكون رؤية عميقة وموضوعية في معظم الأحيان — أن يُقدّموا صورة تفصيلية عن كل دولة ضمن نطاق عملهم.
لأننا كنا نُطبِّق هذا التقييم على المستوى العالمي في سياق غير ربحي، سعينا إلى إبقاء أسئلة الاستبيان قليلة العدد. اعتمدنا ثلاثة معايير واسعة النطاق لكنها نموذجية، بوصفها متغيرات تابعة لقياس قوة المؤسسة، وهي: الفاعلية الإجمالية لمجلس الإدارة، والتأثير على الخدمة (الأرواح التي لُمِست وتغيَّرت)، والسعة على جمع التبرعات (أي القدرة على توفير الموارد اللازمة لاستدامة الخدمة الوطنية). أما فيما يخص العوامل التي تؤثر في هذه المتغيرات، فقد صغنا عدة أسئلة تعكس مهارات الحوكمة وكفاءاتها، إلى جانب استعداد مجلس الإدارة والتزامه.
يُظهر الشكل ١ والشكل ٢ في الصفحات التالية تقييمَ المُقيِّم لتأثير الخدمة على المؤسسة — كعدد الطلاب الذين وصلت إليهم، والأرواح التي تغيّرت وغير ذلك — فضلاً عن تقييمه لقدرة المؤسسة على توليد الموارد التمويلية اللازمة لمتابعة رسالتها.
يتضح لنا وجود ارتباط إيجابي بين مهارة الحوكمة واستعداد مجلس الإدارة من جهة، وقوة الخدمة من حيث التأثير والسعة التمويلية من جهة أخرى. وقد يرى البعض أن المدير الإقليمي، حين يُقيّم مجلساً بعينه ويرى فيه قوةً، سيكون مُهيَّأً مسبقاً لتقييم قوة الخدمة بالطريقة ذاتها. وهذا الرأي له وجاهته، ولا بد من أخذه بعين الاعتبار. غير أن قائد الإقليم في العادة كان يُقيّم ما بين ١٥ و٢٠ دولة، مستعيناً باستبيان مؤلف من ١٨ سؤالاً. وفي مثل هذه الظروف، يصعب الالتزام بنمط تقييم مسبق التحديد، لا سيما مع دول ومجالس إدارة تتسم بالتفاوت، أي أنها قوية في بعض الجوانب وأقل قوةً في جوانب أخرى. فضلاً عن ذلك، لا يوجد أي دافع لدى المُقيِّمين لرفع درجات مجلس الإدارة بصورة مبالغ فيها، إذ إن ذلك قد يحرم هذا المجلس من الموارد التطويرية التي من شأنها تعزيز خدمة ذلك البلد بلا شك. وحتى لو افترضنا وجود قدر من التحيز في عملية التقييم، فإن قوة الارتباطات الإيجابية تبقى بالغة الوضوح، بحيث إنه حتى لو خُففت إلى حد ما، يظل الارتباط المُؤكِّد بين قوة مجلس الإدارة وقوة الخدمة جلياً للعيان.
منذ أن أتممنا هذا البحث، تولّى المهمة آخرون أكثر تجهيزاً وموهبةً. وعلى الرغم من أن النقاش قائم منذ أمد بعيد حول مدى إمكانية تطبيق مبادئ الحوكمة المستمدة من القطاع الربحي على المنظمات غير الربحية، فإن الاعتقاد السائد هو أن ذلك ممكن، لكن مع بعض التحفظات المهمة. فالشركات الربحية المدرجة في البورصة أو الخاضعة للتنظيم لديها دوافع قوية للالتزام بممارسات الحوكمة الجيدة، وتواجه عقوبات صارمة إن هي أخفقت في ذلك. إذ تتضافر متطلبات الإفصاح المتعلقة بالأداء المؤسسي والامتثال، والرقابة التنظيمية الصارمة، والتدقيق الحازم من قِبَل المساهمين (الملّاك)، لتعزيز ممارسات الحوكمة الجيدة في هذا القطاع. في المقابل، تفتقر المنظمات غير الربحية في معظم دول العالم إلى متطلبات رسمية تُرسّخ الرقابة الفعّالة. ونتيجةً لذلك، يُولى اهتمام أقل بكثير لمسألة الحوكمة، إذ يقتصر التركيز في الغالب على استيفاء المتطلبات القانونية التي تفرضها كل دولة.
في عام ٢٠٢٢، نشر ثلاثة باحثين — دين بليفينز من الولايات المتحدة، وروبيرتو راغوتزينو من البرتغال، وروري إيكاردت من الولايات المتحدة — نتائج بحث ثاقب سيُسهم بلا شك في تطوير النقاش حول حوكمة المنظمات غير الربحية. اختبر هؤلاء الباحثون أربع فرضيات، وهي: أن المنظمات الخيرية التي تمتلك مجالس إدارة مستقلة، ومستويات أعلى من حوكمة الرئيس التنفيذي، وشفافية أكبر تجاه أصحاب المصلحة والمانحين، وحوكمة أشمل بوجه عام — ستُخصص نسبة أعلى من نفقاتها البرامجية لخدمة رسالتها.
لاختبار فرضياتهم، اطّلع المؤلفون على تقارير IRS ٩٩٠ لـ ٦٨٥٣ مؤسسة خيرية أمريكية فريدة على مدار تسع سنوات، فأنشأوا قاعدة بيانات تضمّنت ٣٠١٥٦ مشاهدة. كان المتغير التابع هو النسبة المئوية للأموال المتبرَّع بها التي وصلت فعلاً إلى مهمة المؤسسة الخيرية. أما المتغيرات المستقلة فكانت العوامل الواردة في الفرضيات أعلاه، وهي: المجالس المستقلة، وحوكمة الرئيس التنفيذي (المساءلة)، وشفافية أصحاب المصلحة، والحوكمة الشاملة. وقد كشف تحليل الانحدار المتعدد المتين عن وجود ارتباط إيجابي بين حضور المتغير المستقل والنسبة الإجمالية للدولارات المتبرَّع بها التي تذهب إلى مهمة المؤسسة. وخلص المؤلفون إلى أن: «المنظمات غير الربحية، والمؤسسات الخيرية بصفة خاصة، يمكنها الاستفادة من ممارسات حوكمة أفضل... ومع تعزيز الرقابة والشفافية، تستطيع المؤسسات الخيرية أن تُسهم إسهاماً أكبر في المهام التي تسعى إلى خدمتها، وبذلك ترفع من الفاعلية المحتملة لكل دولار يتبرع به المانحون.» يبدو أن البيانات واضحة. الحوكمة الجيدة مهمة حقاً!