للحصول على تجربة أفضل، قم بتحميل تطبيق FiftyFour الآن→

Play StoreApp Store

    دور القيادة في الثقافة

    تأمل في القيادة والثقافات المختلفة

    في الأساس، يمكن أن تعني «القيادة» أشياء مختلفة في ثقافات مختلفة. ولتوضيح ذلك، سننظر في معنى القيادة في الثقافة الصينية، التي تختلف من نواحٍ كثيرة اختلافًا كبيرًا عن الفهم الغربي. وسنناقش ثلاثة أبعاد عميقة لهذا الاختلاف.[١]

    ١. التغيير في مقابل الانسجام

    وفقًا للمنظور الغربي، تتعامل القيادة مع التغيير. وتتحدث التعاليم الغربية عن القيادة عن الرؤية والتحوّل والتأثير والتحفيز وتحدي الوضع الراهن.

    هذا هو جوهر القيادة عند الغربي. فالقائد في الأساس وكيل التغيير. ويتوافق هذا مع النظرة الغربية لمكانة الإنسان في العالم. فعندما يفهم الإنسان الغربي العالم من حوله ويتفاعل معه، يبدأ من نفسه. فالإنسان مركز الكون، وقد وُهب الكون ليفهمه ويُسيطر عليه.

    الانسجام، في المقابل، هو أساس الثقافة الصينية. ويسعى الصينيون، في المثل الأعلى، إلى العيش في انسجام مع الناس والعالم من حولهم. لذلك يصبح السعي إلى الانسجام الجماعي المهمة الأولى للقيادة. وينعكس هذا السعي في مثل صيني يتحدث عن «إمساك وعاء ماء متوازنًا». ومعناه أن مسؤولية القيادة دقيقة كالحفاظ على توازن وعاء مملوء بالماء. ويُتوقع من القائد أن يحافظ على الانسجام بين أفراد مجموعته، مثلًا بأن يوليهم اهتمامًا ومعاملة متساويين؛ لأن محاباة أحدهم تعني إراقة الماء.

    وهكذا، في الصين، لا يُعد القائد وكيل تغيير بقدر ما هو مهندس اجتماعي. فغايته الحفاظ على «الأنسجة الاجتماعية» المتعددة داخل منظمته.

    وهكذا، بينما يسعى القائد في الفكر الغربي إلى تحدي الوضع الراهن وإحداث التغيير، يتجه القائد في الفكر الصيني نحو تأسيس الانسجام والحفاظ عليه. وهذا اختلاف جوهري وعميق.

    يُساعدنا هذا على فهم سبب بدوّ أفكار القيادة الغربية غريبةً على الصينيين. كما يُفسّر لنا سبب استعداد الغربيين بشكل أكبر للتخلي بسرعة عن التقاليد غير المجدية، مقارنةً بإخوانهم الصينيين — وهو أمر يُحيّر الغربيين ويُثير إحباطهم.

    ٢. الفردية في مقابل المجتمع

    تُولي الثقافة الغربية أهمية بالغة للفردية، إذ تضع احتياجات الفرد وأهدافه وأهداف أسرته المباشرة في المقام الأول. وتُبنى القرارات على أساس ما يعود بالنفع على الشخص لا على الجماعة. أما الثقافات الجماعية، كما هو الحال في الصين، فتُقدّم هوية المجموعة على ما سواها. فالأفراد لا يعملون بوصفهم عناصر مستقلة، بل تتشكّل هويتهم وتتحدد قراراتهم انطلاقاً من موقعهم ودورهم في المجتمع الأوسع.

    في الغرب، يُشجَّع الإبداع والابتكار ويُعلى من شأنهما. أما في الصين، فقد يُنظر إلى الإبداع الفردي وروح المبادرة على أنهما يهددان تماسك الجماعة وامتثال أفرادها.

    من المهم أن نلاحظ أن نماذج القيادة وتقنياتها ومناهج التدريب عليها اليوم قد طُوّرت بشكل يكاد يكون كاملًا في بلدان فردية النزعة، وتقوم على افتراضات ثقافية قد لا تصح في ثقافة جماعية النزعة بقوة كالثقافة الصينية.

    يتمتع القادة الغربيون بميزة نسبية في مجال إدارة الصراع. ففي الصين، ينبغي تجنب الجدال والمواجهة بأي ثمن، إذ يجب حفظ ماء وجه الجميع وصون الانسجام الاجتماعي. ولذلك، يميل الصينيون عادة إلى تجنب الصراع تمامًا، على أمل أن يزول من تلقاء نفسه. وكثيرًا ما يؤدي ذلك إلى سلام ووحدة ظاهريين يخفيان إحباطًا وغضبًا، بل وعدائية، لم تُعالج في العمق.

    ٣. التمكين للناس في مقابل الاستبداد الرحيم

    ركّزت أفكار القيادة الغربية خلال العقود الأخيرة على التمكين: فالقائد الفعّال «يمنح السلطة للآخرين»، وينبغي أن تُتَّخذ القرارات على أدنى مستوى ممكن، من قِبَل الأشخاص الذين يقومون بالعمل فعلاً.

    وبالمقارنة مع ذلك، سألنا الشباب في إحدى مدارس التدريب الصينية عما يعتزمون فعله بعد إتمام دراستهم. فأجابوا جميعًا بحماس وبصوت واحد: «مهما يأمرنا به قادتنا!» وكشفت إجاباتهم عن درجة من الخضوع للسلطة تكاد تبدو مهينة للأمريكيين.

    في الصين، تتشكل هوية الفرد من خلال التسلسل الهرمي وعلاقات الأدوار. فمكانة كل شخص مفهومة بوضوح، وينبغي أن يسترشد سلوكه بمبدأ اللياقة، أي فعل الأمور المناسبة مع الأشخاص المناسبين ضمن العلاقات الملائمة. ونتيجة لذلك، تشكل المبادرة الفردية تهديدًا للانسجام الاجتماعي. ويصعب على الغربيين فهم هذا النوع من التفكير. فالغربيون يتعلمون في مدارسهم أن يفكروا باستقلالية وبروح نقدية، أما الصينيون فيتعلمون احترام سلطاتهم المختلفة والخضوع لها وألا يشككوا فيها أبدًا.

    ومن المفارقات أن أعظم نقاط القوة في كلا العالمين، الشرق والغرب على حد سواء، قد غدت أعظم نقاط ضعفهما. ففي الغرب، أفضى الإفراط في التركيز على الحقوق الفردية إلى تفكك اجتماعي وكنسي. وأصبح الناس كيانات معزولة ووحيدة، تبحث عن معانيها وأغراضها الخاصة، وعاجزة عن الخضوع لأي سلطة أو لأي وحدة جامعة تتجاوز ذواتها. وعلى النقيض من ذلك، تتمتع حركات الكنيسة في الصين في كثير من الأحيان بقدر كبير من الوحدة، غير أن ذلك يكون على حساب الرؤية الفردية وروح المبادرة. ويرغب قادة الكنيسة الصينية اليوم، بحسب تعبيرهم، في «رفع مستوى رفقائنا في الخدمة». وفي مواجهة التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتسارعة والمعقدة التي تشهدها الصين، يدرك هؤلاء القادة أنهم بحاجة إلى أشخاص قادرين على التفكير الإبداعي، ومستعدين لتحمل المسؤولية والتصرف دون أن يُؤمروا بذلك.

    التعلّم من بعضنا بعضًا

    من الواضح أن لدى الغربي ما يتعلمه من أخيه الصيني في مجال القيادة بقدر ما لديه ما يعلّمه له. فيستطيع الغربي أن يعلّم الصيني التغيير والرؤية والتفكير الاستراتيجي والتخطيط والمساءلة وحل النزاعات والإبداع الفردي وروح المبادرة والخدمة العابرة للثقافات. ويستطيع الصيني أن يعلّم الغربي الصداقة والولاء والمعاناة والحماسة والصلاة وروح الخدمة والانضباط والخضوع والاحترام والوحدة والتواضع.

    إن طهرنا نوايانا، ودفعنا الثمن، وأخذنا الوقت الكافي لنكسب ثقة بعضنا بعضًا ونبني صداقات متينة، وإن تجاوز كل منا إحساسه الطبيعي بالتفوق الثقافي، وإن أقررنا بأن «العين لا تستطيع أن تقول لليد: لا حاجة لي بك!» فسندرك قريبًا أن الاختلافات العميقة التي ذكرناها ليست متناقضة، بل متكاملة. ومعًا نستطيع أن ننجز أشياء عظيمة لمجد ذاك الذي يسمو فوق كل ثقافة بشرية.

    معلومات إضافية

    للحصول على تحليل أكثر تفصيلًا بكثير، يُرجى الرجوع إلى كتاب «تأملات في المفاهيم الصينية للقيادة» لمالكوم ويبر.