تأطير الموضوع من منظور تاريخي وكتابي مقدس.
سنتناول الآن التعريف الأساسي للقيادة: ما هي القيادة؟
وُجد القادة في جميع الثقافات عبر التاريخ. تُخبرنا الهيروغليفية المصرية أن رموز «القائد» كانت موجودة منذ ما يزيد على ٥٠٠٠ عام. فضلاً عن ذلك، يسهل علينا أن نلاحظ الدور المحوري الذي تؤديه القيادة في المؤسسات على اختلاف أنواعها. فلولا يوسف، لكان العالم القديم كله قد هلك جراء المجاعة. ولولا موسى، لظل بنو إسرائيل في مصر. ولولا سِفْر يَشُوع، لبقوا تائهين في البرية. ولولا داود، لتغلّب جليات والفلسطينيون على إسرائيل. ولولا بولس، لكانت الكنيسة الأولى قد انخدعت بأخطاء المتهوّدين.
الكتاب المقدس وتاريخ الكنيسة مليئان بأسماء قادة أثّروا تأثيراً عميقاً في العالم.
وعلى المنوال ذاته، يزخر عالم الأعمال بأيقوناتِ القيادة؛ رجالٌ ونساءٌ أنقذوا شركاتٍ كانت تتعثر وحوّلوها إلى قصص نجاحٍ باهرة. والأمر كذلك في كل مجال من مجالات المجتمع؛ إذ تمتلك عوالم الدين والسياسة والتعليم والرياضة والحريات المدنية والقوات المسلحة أبطالها الخاصين — أولئك الذين يُجِلّهم المجتمع بوصفهم «قادة». والأهم من ذلك كله أن الكتاب المقدس لا يفتقر إلى القادة — فأعظمهم على الإطلاق هو مَن فدانا من خطايانا!
بسبب أهميتها الواضحة، كانت القيادة موضوعاً يستأثر باهتمام المؤرخين والفلاسفة منذ آلاف السنين، غير أن الدراسات الأكاديمية لم تبدأ إلا مع مطلع القرن العشرين. وعلى مدار أكثر من ١٠٠ عام، قدّم العلماء والكتّاب مئات التعريفات لمفهوم «القيادة»، بل إن أحد العلماء الأمريكيين أحصى ما يزيد على ٣٥٠ تعريفاً لها! ولعل القيادة من أكثر الظواهر التي رصدها الناس وتابعوها، ومع ذلك تبقى من أقلها فهماً واستيعاباً على وجه الأرض.
نعرف أن القيادة موجودة، ونعرف أنها مهمة. نعرف القيادة الجيدة حين نراها، ونعرف متى تكون غائبة. نعرف أننا نحتاج إليها. لكن ما هي في الحقيقة؟